علي بن عبد الكافي السبكي

118

فتاوى السبكي

وإن امتد في المستقبل ولذلك قرن بالتأبيد فحصل تأكيدان أحدهما في الطرف الأول بلن والثاني في الطرف الآخر بالتأبيد وفي سورة الجمعة قال إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فجعل الشرط أمرا مستقبلا قد يقع الزعم منهم غدا أو بعد غد ورتب عليه الأمر بتمني الموت لأنه يلزم من كونهم أولياء حصول الدار الآخرة لهم وإن لم يدل عليها مطابقة كالآية الأولى فجاء الانتفاء للتمني المستقبل التي متى وقع الزعم علم انتفاء التمني فكان التأكيد فيه في الطرف الآخر فقط وكذلك صرح بالتأبيد ولم يؤت بصيغة لن فإن قلت فمن أين لك هذا الفرق بين لن ولا ولم يذكره النحاة وغاية ما ذكره بعضهم الاختلاف في أن لن أوسع أو لا أوسع وفي أن لا تختص بالمستقبل أو تحتمل الحال والاستقبال وهذا الذي قلته أنت من أن كلا منهما أبلغ من وجه لم يذكره أحد قلت وإن لم يذكروه فإنهم لم ينفوه ويؤخذ من استقراء مواردها قال تعالى فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها لن نؤمن لك حتى تفجر لنا فلن يهتدوا إذا أبدا لن يضروكم إلا أذى لن ندخلها حتى يخرجوا منها ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل ولن تفلحوا إذا أبدا لن تنفعكم أرحامكم فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي وغير ذلك من الآيات فانظر موارد هذه الآيات وقوة تحقيق النفي في الحال فيها وفي بعضها التأبيد لإرادة تقوية الطرفين وفي قوله إذا أبدا المقصود تحقيق النفي من ذلك الوقت إلى الأبد إن تأخر عن وقت الخطاب فالتأبيد من ابتداء زمانه إلى الأبد ولذلك احترزت في أول كلامي فلم أقل من الآن وأما لا فقال تعالى إني أعلم ما لا تعلمون لأن القصد نفي علمهم في المستقبل فلا يحسن هنا وكذلك لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ليس المقصود المبالغة في تأكيد النفي لأنه معلوم وقول موسى عليه السلام لا أبرح حتى أبلغ أي لا أبرح مسافرا ولعله قال قبل السفر فليس كقول أخي يوسف فلن أبرح الأرض وإذا لا يلبسون خلافك إلا قليلا لما كان المستثنى الزمان الأول جاز لا والمستثنى في لن يضروكم إلا أذى الفعل فكان لن مع تحقيق النفي في أول الأزمنة وانظر كيف وقع التعادل بين لن ولا اشتركا في نفي المستقبل واختصت لا بنفي الحال والماضي واختصت